الأخبار   

     

نجاة دولة الرئيس الياس المر من محاولة اغتيال سنة 2005 بسيارة مفخخة استهدفته في انطلياس

الموالاة والمعارضة اجتمعتا في مستشفى سرحال ولحود تابع فيه شخصياً وضع وزير الدفاع ومسار التحقيق

المر نجا من محاولة اغتيال بتفجير سيارة على طريق منزله في الرابية:

لم اتوقف على المطب... فنجوت بفارق ثانية

كتبت ريتا صفير:(جريدة النهار)

عادة يتسلم أمين المر زمام القيادة في سيارة وزير الدفاع. ومعروف عن امين تأنيه في مراعاة "متطلبات" الطريق، مطبات وحفرا، على عكس "دولة الرئيس". لكن، شيء ما دفع بنائب رئيس مجلس الوزراء الياس المر الى تغيير قواعد اللعبة صباح ذلك "الامس". قرر، في سابقة نادرة، قيادة الـ"بورش كايين" بنفسه. فترك، مع الموكب، منزله في الرابية، قرابة العاشرة. سلك الطريق المعهودة المؤدية الى حي السفارات. بلغ منطقة النقاش. هناك، تجاوز الاشارة الشهيرة التي تشير الى منزل النائب السابق جبران طوق نزولا في اتجاه تقاطع انطلياس، قرب مركز "سان ايلي". مر كعادته مرور الكرام على المطب "المشهور" في المكان... طبعا، لم يكن يدرك ان "الثانية" التي كسبها من جراء عدم التمهل، قد تنقذ حياته. وهو خاطب وزير الصحة الدكتور محمد خليفة الذي زاره معاينا في غرفة العمليات لاحقا قائلا: "نجوت، على ثانية! لم اتوقف على المطب".

كانت العاشرة و15 دقيقة، عندما سمع اهالي المنطقة صفيرا خفيفا. والصفير غير المألوف دفع بالياس رحال الذي يقطن المحلة الى التوجه نحو حديقة منزله لتفقد كلبه، الذي اخذ ينبح بطريقة غريبة. مرت ثوان، تبعها دوي هائل. وفهم الياس وجيرانه،  على الفور، ان "لعنة" الانفجار الخامس المرتقب، حلت عليهم هذه المرة، غير انهم تأخروا في معرفة هوية الشخصية المستهدفة. ظنوا، بداية، انه النائب العماد ميشال عون بعدما باتت منطقة الرابية المجاورة مرادفة لاسمه. وزاد من ضبابية الوضع، ضباب الحريق والدخان الذي غطى الموقع. لوهلة، اختلط الحابل بالنابل، قبل ان يبدأ تدفق الاخبار بالتواتر: وزير الدفاع الياس المر هو الهدف. شوهد يخرج من سيارته المتضررة عقب الدوي ليستقل، على الفور، مرسيدس بيضاء تقودها امرأة. بقي في الميدان مصابون يزنرهم رجال امن وعناصر من الصليب الاحمر. وعن بعد، وقف من تمكن من الوصول من الاعلاميين، بعدما ضرب عناصر الجيش طوقا، اثنين، ثلاثة.

صحيح ان الحادث يستكمل امنيا، حلقة جديدة من حلقات مسلسل الاغتيالات الذي انطلق منذ تشرين الاول الماضي، وصحيح انه يكشف، ربما، "رقما" من ارقام لائحة الشخصيات السياسية المستهدفة، والتي اخذت تتناقلها وسائل الاعلام المحلية بعد الكشف عنها في الصحف الاميركية ولكن بدا لجريمة الامس خصوصياتها:

في المشهد السياسي العام، كانت الجريمة الاولى التي تطاول شظاياها شخصية "موالية" اذا صح التعبير، في وقت كان تركيز الاستهدافات السابقة على "اصطياد" معارضي البريستول. فاعادت خلط الاوراق. وهو خلط ظهر اول معالمه بالتعديلات التي طرأت على تصريحات السياسيين وخصوصا المعارضين منهم عقب الانفجار. فخف وهج اتهامات "النظام الامني المخابراتي" ومرادفاتها عن الخطاب، لتحل محله المطالبات بالتعجيل في تشكيل الحكومة العتيدة بغية وضع حد للفلتان الامني.

وفي السياسة العامة ايضا، يصح القول ان "ما فرقته السياسة، جمعه الامن". اذ تكفي مشاهدة المصافحات "التاريخية" في مستشفى سرحال، بين الاضداد: رئيس الجمهورية  اميل لحود ورئيس حكومة "الظل" سعد الحريري والرئيس المكلف فؤاد السنيورة وانضم اليهم لاحقا نواب من كتلة "تيار المستقبل" و"اللقاء الديموقراطي" و"قرنة شهوان" ووفود من "حزب الله" وحركة "أمل" والحزب السوري القومي الاجتماعي وغيرها، وتكفي مشاهدة ذلك لتبيان اشارات "مشرقة" على خلفية العملية الدامية، وان لم يتردد بعضهم في حصر الامر باطار اللياقات.

حكوميا واجرائيا، لم يكن الذهول خافيا لدى المواطنين والمسؤولين، وهو ذهول "يستمد" قوته من موقع الوزير المر الحالي كوزير للدفاع وموقعه السابق كوزير للداخلية كشف مخططات اغتيال وافصح عن معلومات طالت اصوليين حينا، وقد تطال خيوطا تتعلق بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، على قول النائب وليد جنبلاط. وكاد يختصر هذا الوضع سؤال: اذا كان وزير دفاع الدولة هدفا سهل المنال، فمن يحمي ما تبقى في هذه الدولة؟ كل هذه المعطيات، انعكست على ساحة "المعركة"، في موقع الانفجار وفي مستشفى سرحال.

ففي المكان الاول صدرت اوامر صارمة ردها بعض الضباط الى النيابة العامة بعدم الاقتراب من ساحة الجريمة تحت طائلة التوقيف. واخذ بعضهم يصرخ بالاعلاميين والمصورين تارة وبالمحققين والامنيين وعناصر قالوا انهم من "الادلة الجنائية" طورا لثنيهم بطريقة او باخرى عن التقدم قيد انملة في اتجاه المكان. بقي الجميع، لساعات موضع الشك، وكأن الدروس المستخلصة من آلية التعامل مع مسارح الاغتيالات السابقة لاقت صداها. وعليه، تتالت المشادات الكلامية على انواعها. حضر مثلاً شخص عرف عن نفسه بأنه "خبير متفجرات"، فسأله احد الضباط: "بطاقتك؟". شهرها الخبير. ولم يكتف الضابط بها فأخذ ينهال عليه بالاسئلة عن "اسم رئيسه" و"المهمة الملقاة على عاتقه" قبل منحه اذن المرور. والامر نفسه تكرر مع عنصر قال انه من "فرع المعلومات"، الا ان نصيبه كان في النهاية حرمانه الوصول الى الموقع لانه "لا يحمل اذنا خطياً من الدائرة المعنية"، على ما برر الضابط.

المشهد نفسه تكرر في مستشفى سرحال الذي بدا اشبه بثكنة عسكرية. ففي محيطه، انتشرت القوى الامنية التي منعت بدورها الدخول الا للشخصيات والاطباء، في حين تحلق الاعلاميون ومراسلو المحطات المحلية والعالمية في الباحة الخارجية. اما الصالون الداخلي، فغص بالزوار من مختلف فئاتهم، فيما "صادر" الباب الرئيسي قائد لواء الحرس الجمهوري مصطفى حمدان وقد بدت على وجهه علامات التعب. من هناك، كان يعطي الاذونات بالفتح او بالغلق. ومع كل اذن، امكن رصد حركة: تارة كان الرئيس لحود يتنقل بين الطبقات للاطمئنان الى صحة صهره، وطوراً النائب ميشال المر او زوجته سيلفي. الى ذلك، كان لافتاً الاستقبال الذي لقيه الوزير خليفة اذ رافقه الرئيس لحود الى غرفة العمليات حيث ارتدى الثوب الابيض للاشراف على ما يجري. فخاطبه المر قائلاً: "انت حكيمنا ونتكل عليك". واكمل لحود: "محمد انت قرر" بعدما ترددت اخبار عن امكان نقل المر الى مستشفى الجامعة الاميركية. ولاحقاً ابلغ خليفة عائلة الوزير المر، قبل نقله الى غرفة العناية الفائقة، ان صور الاشعة كانت ايجابية، فيما قطعت لحظات السكون ومن وقت الى آخر "صيحات" تطالب الحضور بالتبرع بالدم.يذكر هنا ان شظايا الانفجار بلغت منطقة "ديبلوماسية" بامتياز باعتبار ان المكان لا يبعد سوى امتار عما يسمى "منطقة السفارات". ولم تفلت منه زوجة السفير المكسيكي باتريسيا بونتي التي اصيبت بجروح. كما كان والد الوزير النائب ميشال المر تعرض لمحاولة اغتيال في مكان مجاور قبل 14 عاماً، وتحديداً في آذار 1991.

 

تفاصيل الانفجار

وفي العودة الى التفاصيل الامنية للجريمة،  افادت المعلومات بأن السيارة المفخخة من طراز "ميتسوبيشي" رباعية الدفع نبيذية اللون، وكانت تحمل عبوة تزن نحو 50 كيلوغراماً ومتوقفة الى جانب الطريق العام من جهة مرافق المر العقيد الياس البيسري الذي تأذى بجروح بالغة.

اما الجثة التي عثر عليها محترقة فتبين انها للمدرس خالد غبريال مورة في "الشانفيل" وكان يقود سيارته من طراز "مرسيدس 220 إس" امام سيارة المر مباشرة عند وقوع الانفجار. وقد عملت القوى الامنية على استخراج رقم هيكل السيارة المفخخة بعدما رجحت مصادر التحقيق ان تكون مسروقة منذ مدة طويلة.

وعرف من الجرحى: زياد قسيس، اسعد حجل، شربل طعمة، كارل خليل، روجيه مراد، اربيل باكسيان، لينا باكسيان، جان بيار طعمة، نعمة الله طنوس، اضافة الى مرافقي المر البيسري وامين المر وطفلة غادرت المستشفى.

واوضح مصدر امني ان موكب الوزير المر كان يضم سيارات عدة بينها سيارة "جيب عسكرية". واحدث الانفجار  حفرة بعمق متر ونصف المتر وقطر مترين، وادى الى اضرار كبيرة والى انفجار قسطل كبير للمياه يغذي المنطقة. وسجل تحطم سبع سيارات كليا وعشرات السيارات في شكل جزئي.

وحضر الى مكان الانفجار وزير العدل خالد قباني والنائب سعد الحريري وقائد الجيش العماد ميشال سليمان. واقفلت الطريق المؤدية الى موقع الانفجار . وعقد قائد الشرطة العسكرية في الجيش اجتماعاً لمختلف القوى الامنية التي وصلت الى مكان الانفجار  لتقويم التحقيقات. وستظل الطريق مقفلة للاستمرار في البحث عن كل الادلة.

 

لحود في المستشفى

وفور تلقيه نبأ محاولة الاغتيال الغى الرئيس لحود مواعيده الرسمية في قصر بعبدا، وعاد المر في قسم الطوارئ الذي نقل اليه واطمأن الى ان اصابته اقتصرت على جروح في يديه ورجليه ورضوض في وجهه وانحاء مختلفة من جسمه.

والتقى الرئيس لحود الاطباء واعضاء الفريق الطبي الذين قدموا العلاج الفوري للمر. كما اطمأن الى صحة مرافقيه والمدنيين الذين اصيبوا. وبقي في مستشفى سرحال حيث تابع الجراحة التي اجريت للمر لاسيما في يديه، كما اطلع على التحقيقات الاولية التي اجريت لكشف ملابسات الجريمة النكراء.

وتلقى رئيس الجمهورية سلسلة اتصالات هاتفية في المستشفى للاطمئنان الى صحة الرئيس المر والتهنئة بنجاته، ابرزها من الرئيس السوري بشار الاسد، والرئيس نبيه بري الموجود في الجزائر، والرؤساء عمر كرامي وسليم الحص ورشيد الصلح وعصام فارس، والنائب بطرس حرب وسفير فرنسا برنار ايمييه، والامير الوليد بن طلال والسيدة منى الصلح.

كما التقى رئيس الجمهورية وقرينته السيدة اندره ووالد الوزير المر النائب ميشال المر وافراد عائلته، وشخصيات رسمية وسياسية وديبلوماسية زارت المستشفى للاطمئنان والتهنئة بالسلامة، ابرزها الرئيس امين الجميل، رئيس الحكومة المكلف فؤاد السنيورة، النائب العماد ميشال عون، والوزراء شارل رزق، خالد قباني، محمود حمود وحسن السبع، سفراء مصر والولايات المتحدة وبريطانيا والنواب سعد الحريري، مروان حماده (باسم النائب وليد جنبلاط)، بيار الجميل، الياس عطاالله، اكرم شهيب، صولانج الجميل، جبران تويني، روبير غانم، نايلة معوض، فريد الخازن، الياس سكاف، عبداللطيف الزين، بهيج طبارة، محمد الصفدي، علي حسن خليل، علي عمار، علي بزي، ابرهيم كنعان ومحمد رعد مع وفد من "كتلة الوفاء للمقاومة"، جان اوغاسابيان، نادر سكر، اسعد حردان مع وفد من الحزب السوري القومي الاجتماعي برئاسة جبران عريجي، رئيس حزب الكتائب كريم بقرادوني، وفد من حزب الطاشناق، والنواب السابقون: غطاس خوري، سامي الخطيب، جهاد الصمد، زاهر الخطيب، اسطفان الدويهي، سليم دياب وبهاء الدين عيتاني، والوزراء السابقون: جوزف الهاشم، ميشال سماحة، سيبوه هوفنانيان، يوسف سلامة، سليمان طرابلسي، وديع الخازن، متروبوليت بيروت للروم الارثوذكس المطران الياس عودة، راعي ابرشية انطلياس للموارنة المطران يوسف بشارة، رئيس المجمع الاعلى للطائفة الانجيلية القس سليم صهيوني، السيدة رنده بري، رئيس مجلس القضاء الاعلى السابق القاضي نصري لحود، والعديد من الشخصيات السياسية والرسمية.

كما التقى لحود قائد الجيش العماد ميشال سليمان، المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء أشرف ريفي، وعددا من المسؤولين الامنيين وقضاة التحقيق وشخصيات، وتابع معهم المعلومات عن الجريمة.

وزاره بعد الظهر للمرة الثانية الوزير رزق. وعاده على التوالي: رئيس المجلس العام الماروني ريمون روفايل، المطران كيغام خاتشاريان، النائب نبيل دو فريج، الوزير والنائب السابق عصام نعمان، المدير العام للموارد المائية والكهربائية فادي قمير، نقيب الصحافة محمد بعلبكي، المدير العام لوزارة المال آلان بيفاني، سفير الاتحاد الاوروبي باتريك رينو وغيرهم.

وتلقى لحود اتصالات للاطمئنان الى صحة المر والتهنئة بنجاته من محاولة الاغتيال التي تعرض لها. وابرز المتصلين كاثوليكوس الأرمن ارام الأول، القائم مقام شيخ عقل الطائفة الدرزية بهجت غيث، والامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، والوزيرة السابقة ليلى الصلح.

 

الياس المر من المستشفى: المؤامرة مستمرة وعلينا بالوحدة

 

روى وزير الدفاع في الحكومة المستقيلة الياس المر تفاصيل الحادث الذي تعرّض له، وقال لـ"المؤسسة اللبنانية للارسال" من سريره في مستشفى سرحال: "عندما وقع الانفجار، رأيت ناراً وكهرباء قويّة جداً في السيارة. نظرت الى الضابط الذي يجلس الى جانبي فكان غائباً عن الوعي وكذلك مرافقي. حاولت ان افتح أبواب السيارة لانزالهما، لكنها كانت مقفلة، والنار تتصاعد. وقفزت من الشباك المكسور من جهتي".

وأضاف: "اوقفت سيارة تقودها سيدة صيدلانية مشكورة اليوم وغداً ودائماً وستكافأ، ومن هناك أجريت اتصالات لإعلام سيارات الاسعاف بالحادث ولنقل الضابط والمرافق والمصابين الى اقرب مستشفى".

وتوجّه الى اللبنانيين قائلاً: "المؤامرة مستمرة، ففيما كان فريق يتهم آخر، تشجّع المستمرون في التفجير على متابعة اعمالهم، اذ بات هناك من يستطيع ان يلبس جرائم كهذه. لهذا السبب، أتصوّر ان الاتهامات التي عشناها في الاشهر الماضية شجّعت المجرمين والارهابيين. من هنا، فان التكاتف والوحدة الوطنية يخرجان البلاد والناس من الازمة، وعلينا الا نتيح لمن يريد ان يفجّر ويخرّب، الفرصة لتنفيذ مخططه، ثم يلبس غيره".